GuidePedia

الحسن بن علي بن ابي طالب خامس الخلفاء الراشدين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي -العراق- 3-7-2019

الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي (15 رمضان 3 هـ - 7 صفر 50 هـ / 4 مارس 625 م - 9 مارس 670 م)، هو أول أسباط نبي الإسلام محمد بن عبد الله وحفيده، وخامس الخلفاء الراشدين، أطلق عليه النبي محمد لقب سيد شباب أهل الجنة فقال: «'الحسَنَ والحُسَيْنَ سيِّدا شبابِ أَهْلِ الجنَّةِ»، وكنيته أبو محمد، أبوه علي بن أبي طالب ابن عم النبي محمد، ورابع الخلفاء الراشدين، أمه: فاطمة بنت النبي محمد، وقيل أنه أشبه الناس بالنبي.

ولد في النصف من شهر رمضان عام 3 هـ، وكان النبي محمد يحبه كثيرًا ويقول: «اللهم إني أحبه فأحبه»، بويع بالخلافة في أواخر سنة 40 هـ بعد وفاة علي بن أبي طالب، في الكوفة. كما بويع مُعاوية من جديد في بيت المقدس، ودعاه أهل الشام بأمير المؤمنين. وكان الحسن لا يُريد القتال وينفر من الحرب، فكتب إلى مُعاوية يُسالمه ويُراسله في الصلح، واصطلح معه على أن يتولّى مُعاوية الخِلافة ما كان حيًا، فإذا مات فالأمر للحسن. ثمَّ تنازل عن الخِلافة لمُعاوية في شهر ربيع الأوَّل من عام 41 هـ الموافق لعام 661م، وقد سُمّي هذا العام "بعام الجماعة" لإجماع المُسلمين فيه على خليفةٍ واحد.

إن القارئ ليستغرب من ضعف الحديث عن سيرة وأعمال الخليفة الخامس الحسن بن علي في ذاكرة الأمة، كما أنه يتعجب من اختزال فقهه، ومشروعه الإصلاحي العظيم في ثقافتنا. فنهضة الشعوب من عوامل نجاحها الالتفات إلى ماضيها لخدمة حاضرها واستشراف مستقبلها، فالتاريخ ـ كما هو معروف ـ ذاكرة الأمة، ومستودع تجاربها ومعارفها، وهو عقلها الظاهر والباطن وخزانة قيمها ومآثرها، وأساس شخصيتها الغائرة في القدم والممتدة مع الزمن، وله (صلى الله عليه وسلم) سيرة لما تستكشف أعماقها، ولخلفائه الراشدين تاريخ حافل عظيم، ولأمته تاريخ يزهو على تاريخ الأمم والشعوب والدول.

الحسن بن علي بن أبي طالب هو حفيد رسول الله وسبطه، وهو الرجل الذي عُرف في تاريخ الأمة بأنه رجل الإصلاح الذي صان عُرى دولة الإسلام وحفظ دماء المسلمين من أن تسفك بتنازله عن الخلافة الراشدة لمعاوية بن أبي سفيان رحمه الله. فلِمَ سُمي بالخليفة الراشدي الخامس؟ وما أدلة تلك التسمية؟ وما مشروعه الإصلاحي الذي أنجزه خلال أشهر حكمه؟

الحسن بن علي.. خامس الخلفاء الراشدين

إن أهل السنة يعتقدون أن خلافة الحسن كانت خلافة حقة، وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) والتي مدتها ثلاثون سنة

بويع الحسن بن علي أميرًا للمؤمنين من عامة المسلمين بعد مقتل الإمام علي كرم الله وجهه، وتعد خلافة الحسن بن علي خلافة راشدة حقة، لأن مدته في الحكم كانت تتمة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً، فقد روى الترمذي بإسناده إلى مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك». وقد علق ابنُ كثير على هذا الحديث، فقال: إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا، وبذلك يكون الحسن خامس الخلفاء الراشدين.

وعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضًا بلفظ: «الخلافة ثلاثون سنة ثم يكون بعد ذلك الملك»، وعند أبي داود بلفظ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء ـ أو ملكه من يشاء»، ولم يكن في الثلاثين بعده (صلى الله عليه وسلم) إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن، وقد قرر جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله (صلى الله عليه وسلم): «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة»، أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها، وهذه بعض أقوال أهل العلم:

وكما قال القاضي عياض رحمه الله: لم يكن في الثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة، والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي، والمراد في حديث: الخلافة ثلاثون سنة: خلافة النبوة، فقد جاء مفسراً في بعض الروايات: خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا. وقال ابنُ أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفاً، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر.

في حين قال ابن كثير: والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة»، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي. وذكر ابن حجر الهيثمي: هو آخر الخلفاء الراشدين بنص جده (صلى الله عليه وسلم)، ولي الخلافة بعد مقتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة فأقام بها ستة أشهر وأياماً، خليفة حق وإمام عدل وصدق تحقيقاً لما أخبر به جده الصادق المصدوق بقوله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة»، فإن تلك الستة أشهر هي المكملة لتلك الثلاثين، فهذه بعض أقوال أهل العلم في كون الحسن أحد الخلفاء الراشدين. وبالتالي فإن أهل السنة يعتقدون أن خلافة الحسن كانت خلافة حقة، وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) والتي مدتها ثلاثون سنة.

الحسن ومشروعه الإصلاحي

بويع الحسن رضي الله عنه بيعة عامة، وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده، وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وباشر سلطته كخليفة، فرتب العمال وأمّر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء مئة مئة فاكتسب بذلك رضاءهم، وكان في وسعه أن يخوض حربًا لا هوادة فيها ضد معاوية، وكانت شخصيته الفذة من الناحية السياسة والعسكرية والأخلاقية، والدينية تساعد على ذلك، مع وجود عوامل أخرى، كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وحاتم بن عدي الطائي وغيرهم من قادة المسلمين الذين لهم من القدرات القيادية الشيء الكثير.

هو: الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

أمه: فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

كنيته

كنيته أبو محمد، من أشهر ألقابه «التقي»؛ وله ألقاب أخرى: التقي، الطيب، الزكي، السيد، المجتبى، السبط و كريم أهل البيت . وقد لقبّه النبي محمد بـالسيد.

زوجاته وأبناؤه

أحصى الذهبي للحسن تسع زوجات و الشيخ المفيد من علماء الشيعة متفق معه ، فزوجاته و أبناؤه منهن:

أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة.

زيد بن الحسن السبط.

أم الحسن بنت الحسن بن علي.

أم الحسين بنت الحسن بن علي.

خولة بنت منظور بن زَبّان بن سيار بن عمرو.

الحسن المثنى بن الحسن السبط.

أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي.

حسين بن الحسن بن علي (حسين الأثرم).

فاطمة بنت الحسن بن علي.

طلحة بن الحسن بن علي.

زينب بنت سبيع بن عبد الله أخي جرير بن عبد الله البجلي.

أم ولد تدعى نفيلة (رمله).

القاسم بن الحسن بن علي.

عمرو بن الحسن بن علي.

عبد الله بن الحسن بن علي.

جعدة بنت الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي

أم ولد تدعى صافية.

عبد الرحمن بن الحسن بن علي.

أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

أم ولد تدعى ظمياء.

و أم عبدالله و فاطمة وأم سلمة و رقية لامّهات شتّی.

اختلف العلماء في عدد أولاده وهناك عدد من الأولاد مذکورون في بعض الکتب و هم اسماعیل و یعقوب و عقیل و محمد الاکبر و محمد الاصغر و ابوبكر و حمزة و أم الخير

فترة خلافته

استلم الحكم بعد والده وكانت فترة خلافته ستة أشهر، وقيل ثمانية، وكان أول من بايع الحسن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فقال: أبسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المخالفين، فقال الحسن: "على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما ثابتان"

أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الحسن بن علي :

ظل الحسن بن علي يتربى على يد المصطفى ما يقرب من ثماني سنوات، ربّاه على عينه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه حبًّا جمًّا، وقد تولّى النبي تربيته منذ اليوم الأول لولادته؛ فسماه الحسن، وأذَّن في أذنه ليرسِّخ في قلبه معاني عظمة الله ، وليطرد عنه الشيطان. كما برّك النبي الحسن، وحنّكه وكان النبي يداعب الحسن كثيرًا، ويقبِّله ويعانقه حبًّا له وعطفًا عليه.

وكان النبيصلى الله عليه وسلم يؤصِّل في الحسن منذ الصغر حب الإصلاح بين المسلمين، ويربط هذا الأمر بالسيادة؛ فقد روى البخاري بسنده عن أبي بكرة أن النبي صعد بالحسن بن علي المنبرَ فقال: "ابني هذا سيِّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". وقد تحققت هذه النبوءة التي تنبّأ بها رسول الله بعد ذلك.

أهم ملامح شخصية الحسن بن علي :

جوانب العظمة والسمو البشري والأخلاقي في شخصية الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- من الكثرة بمكان، لكن أهم ما يميّزه هو هذا الملمح العظيم في شخصيته، وهو الحرص الواضح والدائم على حقن دماء المسلمين ووحدتهم، ويكسو هذا الحرص حياة الحسن طولاً وعرضًا، ويؤكد ذلك المواقف الكثيرة التي عاشها الحسن ، وتعايش معها انطلاقًا من هذا المبدأ العظيم.

وخير شاهد على ذلك تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين، وأبرم الصلح معه بعد بضعة أشهر من مبايعته للخلافة، فكان ذلك فاتحة خير على المسلمين؛ إذ توحَّدت جهودهم، وسمي عام 41هـ عام الجماعة، وعاد المسلمون للجهاد والفتوحات.

بعض مواقف الحسن بن علي مع الرسول :

روى الإمام أحمد بسنده عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي : ما تذكر من رسول الله ؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة، فألقيتها في فِيَّ، فانتزعها رسول الله بلعابها فألقاها في التمر. فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة. قال: "إنا لا نأكلُ الصدقة".

وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: كنت مع رسول الله في سوقٍ من أسواق المدينة فانصرف فانصرفت، فقال: "أَيْنَ لُكَعُ -ثَلاَثًا- ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ". فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السّخاب ، فقال النبي بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه فقال: "اللَّهُم إِني أُحِبهُ، فَأَحِبهُ، وَأَحِب مَنْ يُحِبهُ". وقال أبو هريرة : "فما كان أحدٌ أحب إليَّ من الحسن بن علي بعدما قال رسول الله ما قال".

بعض مواقف الحسن بن علي مع الصحابة :

مع أبي بكررضي الله عنه :

عن عقبة بن الحارث أن أبا بكر الصديق لقي الحسن بن علي فضمَّه إليه، وقال: "بأبي، شبيهٌ بالنبي ليس شبيهٌ بعلي". وعليٌّ يضحك.

مع أبي هريرة رضي الله عنه:

عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب فسلم علينا، فرددنا عليه السلام، ولم يعلم به أبو هريرة ، فقلنا له: يا أبا هريرة، هذا الحسن بن علي قد سلم علينا. فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي. ثم قال: سمعت رسول الله يقول: "إنه سيِّد".

مع ابن عباس :

روى الإمام أحمد بسنده أن جنازة مرّت على الحسن بن علي وابن عباس رضي الله عنهما، فقام الحسن وقعد ابن عباس ، فقال الحسن لابن عباس: ألم تر إلى النبي مرّت به جنازة فقام؟! فقال ابن عباس: بلى، وقد جلس. فلم ينكر الحسن ما قال ابن عباس .

من مواقف الحسن بن علي مع التابعين :

وعن علي أنه خطب ثم قال: إن ابن أخيكم الحسن بن علي قد جمع مالاً، وهو يريد أن يقسمه بينكم. فحضر الناس، فقام الحسن فقال: إنما جمعته لفقرائكم. فقام نصف الناس، فكان أول من أخذ منه الأشعث بن قيس .

وعن عبد الله بن شداد أن الحسن بن علي مر براعٍ يرعى، فأتاه بشاةٍ فأهداها له، فقال له: حر أنت أم مملوك؟ فقال: مملوك. فردها عليه، فقال: إنها لي. فقَبِلها منه، ثم اشتراه واشترى الغنم وأعتقه، وجعل الغنم له.

أثر الحسن بن علي في الآخرين :

عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت".

وعن سوادة بن أبي الأسود عن أبيه قال: دخل على الحسن بن علي نفرٌ من أهل الكوفة وهو يأكل طعامًا، فسلموا عليه وقعدوا، فقال لهم الحسن : الطعام أيسر من أن يقسم عليه الناس، فإذا دخلتم على رجلٍ منزله فقرب طعامه، فكلوا من طعامه، ولا تنتظروا أن يقول لكم هلموا؛ فإنما يوضع الطعام ليؤكل. قال: فتقدم القوم فأكلوا، ثم سألوه حاجتهم فقضاها لهم.

بعض الأحاديث التي نقلها الحسن بن علي عن النبي :

روى الترمذي بسنده عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي : ما حفظت من رسول الله ؟ قال: حفظت من رسول الله : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة".

وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن بن علي، عن أبيه -رضي الله عنهما- قال: كنت عند النبي ، فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: "يا علي، هذان سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين".

بعض كلمات الحسن بن علي :

لما بويع له بالخلافة قال: "والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم". قالوا: ما هي؟ قال: "تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت". ولما تمت البيعة خطبهم.

وروي أنه كان يقول: "العَشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة". ومن كلماته : "الدنيا ظل زائل".

ومن كلماته أيضًا لبَنِيهِ وبني أخيه: "تعلموا؛ فإنكم صغار قوم اليوم، وتكونوا كبارهم غدًا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب".

كان الحسن رضي الله عنه يملك رؤية إصلاحية واضحة المعالم، خضعت لمراحل، وبواعث، وتغلب على العوائق، وكتبت فيها شروط، وترتبت عليها نتائج، وأصبح هذا الصلح من مفاخر الحسن بن علي رضي الله عنهما على مر العصور وتوالي الأزمان، حتى قال الدكتور خالد الغيث حفظه الله: كان الحسن رضوان الله عليه في صلحه مع معاوية رضي الله عنه، وحقنه لدماء المسلمين، كعثمان في جمعه للقرآن، وكأبي بكر في الردة. ولا أدل على ذلك في كون هذا الفعل من الحسن يعد علمًا من أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) على المنبر، والحسن بن علي على جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». إن صلح الحسن مع معاوية رضي الله عنه من الأحداث العظام في تاريخ الأمة الإسلامية.

صلحه مع معاوية بن أبي سفيان

مقالة مفصلة: عام الجماعة

كادت أن تندلع الحرب بين الحسن ومعاوية وأنصاره من الشام؛ فقد سار الجيشان حتى التقيا في موضع يقال له (مسكن) بناحية الأنبار؛ كان حريصًا على المسلمين وعدم تفرقهم، فتنازل عن الخلافة، لتكون الخلافة واحدة في المسلمين جميعاً، ولإنهاء الفتنة وإراقة الدماء. وقيل كان تسليم الحسن الأمر إِلى معاوية في ربيع الأول 41 هـ، وقيل في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى وقيل سنة 40 هـ؛ فلما تنازل عن الخلافة أصلح الله بذلك بين الفئتين كما أخبر بذلك رسول الله محمد حين قال: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين». وسمي العام الذي تنازل فيه الحسن عن الخلافة لمعاوية بعام الجماعة. روى عن النبي محمد أنه قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك"، فكان آخر الثلاثين يوم انحرف الناس عن الحسن وبويع معاوية.

ذكر ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، أن الحسن سلم الأمر إلى معاوية، لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال:

"إنّا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل، بظُبي السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى".

فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية!، وأمضى الصلُح

وقال البخاري في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: "استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال"، فقال عمرو بن العاص: "إني لأرى كتائب لا تُولي حتى تقتل أقرانها"، فقال معاوية: "إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بضعفتهم؟ من لي بنسائهم"، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس هما عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر، قال: "اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه"، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه

شروط الصلح

ما يذكره المؤرخون في هذا الشأن هو صحيفة كتب عليها الحسن شروطه مقابل الصلح، ولم يذكر أي من المؤرخين كل ما كتبه عليها، إنما تعرضوا لبعض ما فيها، إلا أنه يمكن أن نصل إلى بعض هذه الشروط بتتبع المصادر والتوفيق فيما بينها، ويمكن تقسيم هذه الشروط إلى ثلاثة أقسام:

الشروط المتعلقة بالحكم مثل:

العمل بكتاب الله وسنة نبيه.

أن يكون الأمر من بعد معاوية للحسن ثم الحسين.

أن لا يقضي بشيء دون مشورته.

الشروط الأمنية والاجتماعية والدينية:

أن لا يُشتم علي وهو يسمع، أو أن لا يذكره إلا بخير.

أن لا يلاحق أحداً من أهل المدينة والحجاز والعراق مما كان في أيام أبيه.

أن لا يناله بالإساءة.

الشروط المالية:

أن لا يطالب أحداً مما أصاب أيام أبيه.

أن يعطيه خراج داربجرد فارس.

إعطاؤه ما في بيت مال الكوفة.

صفاته وخصاله

سيرته من أقوى مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين، لذلك نتعلم من سيرته فقه الخلاف، والمصالح والمفاسد، ومقاصد الشريعة، والاستعلاء على حظوظ النفوس، وكيف نعيش مع القران الكريم، ونهتدي بهديه، ونقتدي برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويعمق في قلوبنا فقه القدوم على الله من خلال أقواله وأفعاله، وأثر هذه العلوم في حياة الأمة، ونهوضها وقيامها بدورها الحضاري المنشود.

في الحقيقة إن ما تُعملنا سيرة الحسن بن علي ومنهجه السليم في إدارة شؤون وأحوال الأمة هو أدب الاختلاف والتضحية بالمنصب والمال والنفس والتواضع والحوار للحفاظ على دماء وبلاد المسلمين، وسيرته من أهم الدروس والعِبر التي تعتبر رسالة واضحة لأبناء الأمة المتنازعين على مناصب وأموال والمتخاصمين خصومات لا تغني ولا تسمن في الدنيا والآخرة. وكما تُعلِمنا سيرة الحسن الحالة الطبيعية للانتقال السلمي للسلطة والممارسة السياسية والأمنية والدبلوماسية في تولي أمور المسلمين وأحوالهم.

وفاة الحسن بن علي :

توفي سنة 49 من الهجرة، وقيل سنة خمسين عن 47 عامًا. يقال: إنه مات مسمومًا، ودُفن في بقيع الغرقد بجانب أمه فاطمة الزهراء.
 
Top