(الأدب من فنون الكلام)
فكر /عبدالمجيد محمد باعباد..
تكون الأمة جاهلة حينما لا تدرك معنى الكلام الذي تلتفظ به فهو ضربٌ من ضروبِ الهذيان ويكون كلامًا بغير معنى يقال كحال السكران الذي ينطق هذاءً ويتكلم هراءً ويتفوه بما لا يعقله عقله وإن كانت أمتنا لا تدرك معنى الكلام الذي تلتفظ به في نقاشاتها وحوارتها المنمقة بأجمل العبارات والتي تتطلقها خلافًا لمعانيها وما هي إلا من زخارف الأقوال وبشيش الكلام الذي لا يصب بتاتًا في غور الأعمال وإنما هي أقاويل من لهو الحديث ومن لغة الكلام المضللة عن الحقيقة عندما لا تجمع حروف القول معاني الفعل تكون الأقوال من ضروب الكذب بينما الأفعال محض خيال ليس إلا.. فالكلام الذي لا يطابق مدلوله على أرض الواقع أو كان معناه مخالفًا لأذن السامع يكن مجرد حروفًا خارجه من لسان جاهلة بما تقول ويكون حجةً عليها فالكلمة في ديننا الإسلامي الحنيف لها إيمانٌ وبهتانٌ وكذا في لغتنا لها أوزانٌ وميزانٌ ولها أيضًا معانَّ إذا اقترنت بفعل واحد معين لها معنى واحد فقط في صياغ الجملة ذاتها ويحتمل في غيرها أكثر من معنى ولغتنا تعطي الكلمة الواحدة معانَِّ كثيرة بخلاف لغات العالم الأخرى والتي تعطي الكلمة الواحدة معنى واحد وتقرنُ بنية الفعل بالواقعة المطابقة فحسب وتضيف للفعل أحرفًا خاصة به حتى يتغير معناه ويصبح مدلولًا في غيره ولكن لغتنا العربية الخالدة تبقي الفعل نفسه بنفس حروفه ومدلول معناه يبقى في نطقه المتماسك ولفظه المستهل حسب مقتضى الجمل وتراكيبها المتعددة فلغتنا العربية عظيمة المعاني جزيلة الألفاظ كثيرة المفردات ومتعددة في التراكيب جذورها تتجاوز (17) ألف جذر ويتفرع منها (15) علمًا وكل علمٍ منفصلًا عن الآخر ويختص بقواعد اللغة التي تحكمه ولا ينفك عن أصل اللغة ذاتها بل كل علمٍ يحتكم بقواعدها المرتبطة مع بعضها البعض فلغتنا تعطي للفظة الواحدة أكثر من معنى فهذا يعطي الكلام أكثر من مدلول ويحتمل أكثر من معنى لكن لغتنا العربية تميز الحقيقة من الكذب بمعنى الكلام ومفرداته وتركيبه وصياغته وقد قسموا بناء الجملة الإسمية إلى مبتدأ وخبر وقالوا أن الخبر يحتمل الصدق وقد يحتمل الكذب إذا الأدب يكون كلامًا لبقًا في لفظه وعذبًا في سماعه ويحمل معنىً من صياغة حروفه وله مدلولٌ من خلال مفرداته وتختص به علوم اللغة وخاصةً إن كان الكلام بيانًا يحمل في طياته شعرًا وروحًا وذوقًا فهو يعبر عن سرور أو دثور أو حزن أو نفور أو كره أو قبول أو.. أو.. ما شابه ذلك حسب شعور قائله ليكن أدبًا خالدًا يتشنف به كل مستمعٍ ويرتشف منه كل متلقي حتى قيل أن أجمل الشعر ما كان أكذبهُ فهل معنى ذلك أنه كذبًا لا يحمل مدلولًا صحيحًا لا بل هو الكلام الذي قيل في محله مع حلوة لفظه وغزارة معناه فتشنفت به الأفواه ونطقت به الألسن مستعذبة للفظه مدركة لمعناه لماذا لأنه بيانًا واضحًا محقًا في معناه فالكلام العادي الخارج عن قواعد علوم اللغة وغيرها يكون مفهوما بلفظه ولا يختلف في معناه ولكن الكلام الذي يحتمل معانَّ كثيرة هذا من ضروب الأدب ويحتكم لقواعد اللغة والأدب هو فن من فنون الكلام وأصنافه المتنوعة وأغراضه المتعددة وأساليبه البلاغية والانشائية والأدب يكون أسلوبًا من أساليب الكلام حينما تتكلم بأدب وتكتب بأدب وتخاطب بأدب......
