GuidePedia

 فلسفة الفن


(المقامة الفنية)


الفن فطرة إلهية ،


وصبغة كونية،


وظاهرة طبعية ،


ومهارة إنسانية، 


وهاكم(المقامة الفنية) 


رقم المقامة (164)


كتبها عبدالمجيد محمد باعباد..


حكى لنا أديب الزمان،عن الفن مهارة الإنسان، ذلك هو عنوان الصدارة،وأصل بناء الحضارة،وأساس تطور العمارة ،ورنق حياة المعمورة ،أنه الفن الحكمة المتقنة لحركة الكون،والآية الداعية إلى الإيمان، هو لوحة ساحرة تأسر الإنسان،ولقمة حلوة تعذب اللسان،ونغمة جياشة تشنف الآذان،وعاطفة رنانة تبعث السلوان،ومهجة فتانة تمسح الأحزان،ولوحة بديعة تبهرج الحيطان ،وصورة جميلة تعجب الإنسان،وخميلة طبعية تجلب الاطمئنان،(صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)...الفن هو روعة الإتقان ،ودقة إرساء البنيان، ولطافة اصطفاف الأغصان، وجمال انتظام السيقان، واكتمال نضج الصنوان، وروعة هطول الأمزان، ومتعة مدود الشطآن، وصفاء نمير الغدران، وسمرة تلال الكثبان، وحمرة زهور الوديان.الفن هو تنوع الطبعية أشكالًا وألوانًا، كزرقة البحر، وصفرة الشمس، وخضرة الأرض، وبياض البدر ،وسواد الليل، وسطوع النهار، ورونق النهر ،وجمال الزهور،وتعدد الصخور، وتنوع الطيور الفن في الطبيعة متقن بنظام كوني بديع وإتقان إلهي في خلق النباتات، والأسماك والحشرات، وأشكال الحيوانات، وألوان الصخور والجمادات، ذلكم هو السحر الفتان،والجمال الذي يسكر الأذهان، من روعة الإتقان، ودقة توزيع الألوان (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ).نعم ذلك هو صنع اللطيف الخبير ،وإتقان العلي الكبير ،وتدبير السميع البصير سبحانه تبارك وتعالى أعجز هنا عن نثر بدائع رفده ،وأعجز عن وصف جود خيره ،(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)..سبحانه هو الحنان المنان ولا يجوز وصف الخالق بالفنان لأن هذه الوصف يطلق على الإنسان ولا يليق بعظيم إحسانه وجلال سلطانه سبحانه العظيم (أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ )...الفن ليس محصورًا على أصوات الأغان ،وعذوبة الألحان،فقط كما هو معروف الآن في ثقافة الأوطان ،لكن الفن مرتبط بكل شيء بني على ميزان،وصنع بدقة وإتقان،وكل ما نقش بحنكة وإحسان، وما نحت بمهارة وتفنن بمكنونات المكان،فهو إبداع متقن عبر الزمان،كرسوم الإنسان ونقوشه على الصخور والجدران،ونحوته للجبال والغدران ،وطلاء الألوان على الجدران وتشكيل الجماد على الحيطان ورسوم الحيوان بريشة فنان ..ذلك هو الفن جمال صنعة الإنسان، وليس الفن تسندق اللسان ،باسم فلان مغنًّ فنان ..الفن ليس مقصورًا على أصوات الألحان،ولا على طرب الأغان ،وليس مقصورًا على بيان الكلام، بل حتى في طبخ الطعام فالغذاء المعد بإتقان، طعمه يستلذه اللسان ،ويشتهيه ذوق الإنسان ..الفن أنواع وألوان، هو في مذاق اللسان،وفي سماع الآذان، وفي رؤية العيون وفي إبداع المتفننين من أحاسيس الأنين وبعث الشوق والحنين وإخراج الشعور الحزين والمرح الرزين ..الفن موجود فطرة في هذه الوجود ولا يقصد به دقدقة آلة العود، الفن له مدى مدود، هو الإبداع المتناهي الحدود،والإتقان المحكم الورود،هو في الأرض متنوع وغير معدود،هو في أصوات الطبعية موجود وفي زمجرة الرعود وفي هزيف الرياح وسط شمس الهجود وفي طروب الموج وقت الفذوذ وفي صوت النسيم تحت ظل البرود وفي زغاريد الطيور وقت الشروق .وفي زقزقة العندليب فوق الغصن الرطيب وفي هديل الحمام فوق العصود، وترنم العصافير فوق الأشجار وصوت الديك في وضح النهار .الفن هو نحت نحات على صخر جلمود أو رسم رسام في بطن جلود ،أو رسم مبدع على الورق المفرود ،أو رسمه في لوح خشب أو حتى نحت عود..الفن لا يمنح بشهادات دراسية ،ولا يعطى من وثائق مدرسية ،بل هو مهارة حدسية، ومشاعر حسية، وخبرة قياسية ،ومهنة إنسانية تحتاج إلى الرعاية والاهتمام، والمتابعة والانتظام ،والمثابرة والالتزام، لا كما يعتني حكامنا اليوم بالفنانين والفنانات ويتجاهلون المبدعين في شتى المجالات فكم في أوطاننا العربية من رسامين وبنائين ومهندسين ومهنيين ومبدعين كثير لا يعرف عنهم شيء أهملتهم أوطانهم وطملتهم رمال حكامهم، وكم من المطنطنين والمتشدقين رفعوا مكانتهم الحكام أو وسائل الإعلام وهم لا يساوون شيئاً أمام إبداع أولئك المبدعين الذين صنعوا الحياة بدون مقابل وقدموا للإنسانية فنًا وإبداعًا لا يجهل إلا جاهل..وهكذا هم العرب شغلهم الطرب والغناء والسخف وتفننوا في عزف المعازف ولم يتفننوا في علوم المعارف فبقوا متخلفين عن شعوب العالم الذين تفننوا بالعلم في كل ميدان ولم يتفننوا مثلنا في الكلام وتنغيم الأنغام وتلحين الأغان .يقول أديب الزمان: الفن مهارة يكتسبها الإنسان وهو في الطبيعة فطرة أودعها الواحد الديان جميع مخلوقاته باتزان كتنوع الحيوان ،وتلون الأغصان، وظواهر الكون الصامتة والمتحدثة منها اختلاف الألوان وتعدد اللسان في كل زمان ومكان( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)..



 
Top