GuidePedia

عبادة بن الصامت.. رجل بألف وحواره مع المقوقس
ـــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق- 19-5-2019
 عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الإمام القدوة أبو الوليد الأنصاري
 وكانت أمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان وهي أخت عباس بن عبادة بن نضلة 
 صفاته :  قال الوليد بن عبادة : ( كان عبادة رجلاً طوالاً جسيماً جميلاً) ا.هـ
 قال الإمام المزي : وكان من سادات الصحابة، أحد النقباء ليلة العقبة ، ومن أعيان البدريين
عُبادة بن الصامت (المتوفي سنة 34 هـ) صحابي من بني غنم بن عوف من الخزرج، شهد العقبتين، والمشاهد كلها، ثم شارك في الفتح الإسلامي لمصر، وسكن بلاد الشام، وتولى إمرة حمص لفترة، ثم قضاء فلسطين حتى توفي في الرملة بفلسطين.
سيرته
أسلم عبادة بن الصامت قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، قال ابن إسحاق أنه شهد بيعة العقبة الأولى،  ولكن المؤكد أنه كان أحد نقباء الأنصار الذين بايعوا النبي محمد في مكة بيعة العقبة الثانية.  وبعد الهجرة النبوية، آخى النبي محمد بينه وبين أبي مرثد الغنوي،  وشهد عبادة بن الصامت مع النبي محمدصلى الله عليه وسلم المشاهد كلها،  كما استعمله النبي محمد صلى الله عليه وسلم على بعض الصدقات.
كان عبادة حافظًا للقرآن، فكان يُعَلِّم أهل الصفة القرآن  وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتوسّع الفتوح الإسلامية، انتقل عبادة بن الصامت إلى الشام، حيث قال محمد بن كعب القرظي: «جمع القرآن في زمن النبي  خمسة من الأنصار: معاذ وعبادة وأُبيّ وأبو أيوب وأبو الدرداء، فلما كان عمر رضي الله عنه، كتب يزيد بن أبي سفيان إليه: «إن أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم»، فقال: «أعينوني بثلاثة»، فقالوا: «هذا شيخ كبير - لأبي أيوب -، وهذا سقيم - لأُبيّ -»، فخرج الثلاثة إلى الشام، فقال: «ابدءوا بحمص، فإذا رضيتم منهم، فليخرج واحد إلى دمشق، وآخر إلى فلسطين»». قال خليفة بن خياط في تاريخه أن أبا عبيدة ولّاه إمرة حمص، ثم عزله، وولى عبد الله بن قرط،  فسكن عبادة بيت المقدس،  وزعم الأوزاعي أن عبادة أول من ولي قضاء فلسطين،  كما قيل أنه شهد الفتح الإسلامي لمصر حيث كان من أمراء المدد الذي بُعث لعمرو بن العاص 
لما ولي معاوية بن أبي سفيان الشام، ساءت العلاقة بين عبادة ومعاوية لأشياء أنكرها عليه عبادة، فقال لمعاوية: «لا أساكنك بأرض»، فرحل إلى المدينة المنورة، فقال له عمر: «ما أقدمك؟»، فأخبره بفعل معاوية، فقال له: «ارحل إلى مكانك، فقبّح الله أرضًا لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك». ثم حدث أن كان عبادة بن الصامت مع معاوية يومًا، فقام خطيب يمدح معاوية، ويثني عليه، فقام عبادة بتراب في يده، فحشاه في فم الخطيب، فغضب معاوية. فقال له عبادة: «إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله  بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومكسلنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. وقال رسول الله : «إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في أفواههم التراب»». فكتب معاوية إلى الخليفة عثمان بن عفان: «إن عبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإما أن تكفه إليك، وإما أن أخلي بينه وبين الشام»، فكتب إليه عثمان أن يُرحّل عبادة حتى يُرجعه إلى داره بالمدينة المنورة
قال عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين أرسله مدداً لعمرو بن العاص في فتح مصر: «رجل يعد في الرجال بألف رجل»، وشارك هو وزوجته أم حرام بنت ملحان مع جيوش المسلمين في فتح جزيرة قبرص عام 28هـ/ 648م، وظفرت زوجه بالشهادة فور نزولها على البر فدفنت في الجزيرة، وظهرت مهارته في مفاوضاته مع المقوقس حاكم مصر. وروى عبادة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال الإمام الذهبي: «ساق له بقي بن مخلد في مسنده مئة وواحداً وثمانين حديثاً وله في البخاري ومسلم ستة، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين»، وحدث عنه أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وشرحبيل بن حسنة وأبو مسلم الخولاني الزاهد وجبير بن نفير وجنادة بن أبي أمية وعبدالرحمن بن عسيلة الصنابجي ومحمود بن الربيع وأبو إدريس الخولاني وأبوالأشعث الصنعاني وابنه الوليد بن عبادة وأبو سلمة بن عبدالرحمن وغيرهم.
حديث
وكان عبادة -رضي الله عنه- بالشام فرأى آنية من فضة يباع الإناء بمثلي ما فيه أو نحو ذلك فمشى إليهم عبادة فقال: «أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا عبادة بن الصامت ألا وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس من رمضان، لم يصم رمضان بعده يقول: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، سواء بسواء، وزناً بوزن يداً بيد فما زاد فهو ربا، والحنطة بالحنطة قفيز بقفيز يد بيد، فما زاد فهو ربا، والتمر بالتمر، قفيزا بقفيز ويدا بيد، فما زاد فهو ربا»، فتفرق الناس عنه، فأتى معاوية فأخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة، فأتاه فقال له معاوية: «لئن كنت صحبت النبي -صلى اللـه عليه وسلم- وسمعت منه فلقد صحبناه وسمعنا منه»، فقال له عبادة: «لقد صحبته وسمعت منه»، فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره؟ فأخبره فقال معاوية: اسكـت عن هذا الحديـث ولا تذكـره، فقال له عبادة: «بلى، وإن رغم أنف معاوية»، ثم قام فقال له معاوية: «ما نجد شيئاً أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمد -صلى اللـه عليه وسلم- من الصفح عنهم».
عندما نعت عمربن الخطاب  رضي الله عنه عبادة بهذا الوصف يوم أن أرسله على رأس ربع المدد إلى جيش عمرو بمصر، هل كان قد وعى على وجه اليقين حقيقة هذا الرجل الذي كان في طبعه وطبيعته أعجوبة ما أتى الزمان لها بنظير؟ إن عبادة الذي خبره عمر رضي الله عنه زمنًا طويلًا يساوي ألف رجل ليس في ميدان الحرب والقتال فحسب، لكن في ميادين أخرى تعددت بتعدد مواهبه، وشدة إخلاصه واستقامة طبعه التي صارت مضرب الأمثال.إن مشهدًا واحدًا من مئات المشاهد التي شهدها عبادة، وكان أحد أبطالها الرئيسين، إذا شهده غيره من الرجال، لكان من حقه أن يُعدَّ من العظماء؛ أما هو فلا يلقي بالًا، حين يُغَضُّ عنه الطرف، وحين يخفت ذكره بينما تزخر الكتب بسير رجال ما بلغوا معشار فضله.
إن قريشًا لا تتسامح مع من يعارض سياستها ويخالف سادتها، وإن قريشًا رأت في عبادة عدوًّا شديد البأس، كما رأت في صحبه الأبطال عمار وسلمان والمقداد وابن مسعود وأبو ذر ودرتهم رمز البطولة والفداء الإمام على، فهؤلاء النفر لا يقيمون لمعايير قريش وزنًا، وما تنشغل به قريش وتشقى من أجله لا يساوي عندهم ذرات غبار تثيره أقدامهم في طريق جهادهم الوعر.
جاء الإسلام إنسانيا صرفًا يساوي بين الناس ولا مجال فيه للمفاضلة إلَّا بالتقوى، وأبى الطغاة إلَّا أن يكون قرشيًّا متعاليًا ينحاز للسادة فقط ولا يأبه لمن سواهم.
لك أن تبصر عبادة وهو شاب في السادسة والثلاثين يخطو بخطوات ملؤها السكينة والوقار نحو معلم البشرية الخير؛ ليعلن إسلامه بين يديه في بيعة العقبة الأولى في العام الحادي عشر للبعثة.. طول قامة مع متانة في البنيان مع سُمرة شديدة وجمال في الملامح لا تخطئه عين، يتضوَّأ بنور وهاج ينبعث من روح محبة للحق لا تشغلها عنه الشواغل. كان عبادة في المدينة حليفًا ليهود بني قينقاع بين قومه وبينهم تحالف تدعمه التجارة وتقويه سطوة المال، وفور علمه بكيدهم للمسلمين يخلع هذا الحلف قائلًا: “إنما أتولى الله ورسوله والمؤمنين. فيتنـزل القرآن مثنيًّا على هذا الموقف العظيم الذي يضع منهجًا واضحًا ـ منذ البداية ـ للولاء الحق أين يكون موضعه فيقول عز من قائل: “وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) المائدة.لا يتحير الناظر في أمر عبادة وهو يراه ملازمًا للرسول يحفظ عنه الحديث، ويسأله في أمور الدين والدنيا، ويفي له وعد البيعة “ألا يخاف في الحق لومة لائم” فيكون من أئمة الفضل ممن اختصهم الرسول بجمع القرآن الكريم في حياته، بعد أن ظل طيلة فترة نزول الوحي من كتّابه.. ثم إنهم يصمتون عامدين عن ابن الصامت!
ربما جاز لنا أن نتخيل حال عبادة يوم أن مات الرسول، وقد سكت المؤرخون عن ذكره، هل أذهلته الصدمة؟ هل انزوى بعيدًا عن الكل؟ لماذا لم يكن عبادة ممن ذكروا في حادثة سقيفة بني ساعدة، وهو أحد كبار الخزرج، وكان ضمن الإثني عشر نقيبًا الأول؟ لا نرى دليلًا على وجوده في السقيفة، ولا نجد ما يؤكد أنه كان أول من بايع أبا بكر من الخزرج على حد زعم البعض!
وعندما تولى عمر أرسله هو ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء إلى الشام لتعليم أهلها القرآن، فأقام بحمص ثم توجه إلى فلسطين، وقد تقلد عدة مناصب في عهد النبوة وفي عصر الراشدين، فقد كان عاملًا على جمع الصدقات في عصر النبوة، وذكر خليفة بن خياط أن أبا عبيده ولاه إمرة حمص ثم صرفه إلى الجهاد، ولما توفى أبو عبيدة ولاه عمر حمص ثم صرفه إلى الجهاد في مصر. ثم عاد إلى بلاد الشام، فلم يزل بالشام إلى أن توفي بالرملة، ولنا أن نتشكك في توليه الإمارة على حمص؛ وذلك لرفضه تولي الإمارة مطلقًا، لكنه كان قائمًا على أمر التعليم والقضاء كما هو معروف.
وقف عبادة بن الصامت في وجه معاوية الذي ولاه بن الخطاب إمارة الشام، خلفًا لأخيه يزيد، لما رآه فيه من حب للسلطة وإقبال عليها، ولما عاينه منه من انصراف عن الخضوع للشرع الحنيف ولسنة سيد المرسلين، وقد حدث الصدام الأول كما يروي ابن ماجه عن عبادة بن الصامت، أنه غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كِسَر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم، فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله “صلى الله عليه وسلم” يقول: “لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثل، لا زيادة بينهما، ولا نَظِرة” فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلَّا ما كان من نَظِرة، فقال عبادة: “أحدثك عن رسول الله “صلى الله عليه وسلم”، وتحدثني عن رأيك! لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة”. فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة وما قال من مساكنته. فقال: “ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبَّـح الله أرضًا لست فيها وأمثالك”. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر.
وكان معاوية يحب أن يتكلم برأيه في الخطبة، كما تكلم في شأن الفرار من الطاعون، أما عبادة فكان يصحح له قائلًا:” أمك هند أعلم منك” فما يلبث معاوية أن يتراجع.
وأخرج الحافظ ابن حجر عن الوليد بن عبادة قال: كان أبي عبادة مع معاوية في عسكره، فقام خطيب يمدح معاوية ويثني عليه، فقام عبادة بتراب في يده فحثاه في فم الخطيب، فغضب معاوية، فقال له عبادة مجيبًا له: إنك يا معاوية لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله “صلى الله عليه وسلم” بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا ومكسلنا وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، وقال رسول الله “صلى الله عليه وسلم: “احثوا في أفواه المداحين التراب”. فكتب معاوية إلى عثمان بالمدينة أن عبادة قد أفسد عليَّ الشام وأهله، فإما أن تكفه إليك، وإما أن أخلي بينه وبين الشام، فكتب إليه عثمان أن أَرحِل عبادة حتى ترجعه إلى داره من المدينة، فبعث بعبادة حتى قدم المدينة، فدخل على عثمان في الدار، وليس فيها إلَّا رجل من السابقين أو من التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين، فلم يفج عثمان به، إلَّا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه، وقال: مالنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة بين ظهراني الناس، فقال: “إني سمعت رسول الله “صلى الله عليه وسلم” أبا القاسم يقول: “إنه سيلي أموركم بعدي رجال يُعرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلوا بربكم” فو الذي نفس عبادة بيده، إن فلانًا ـ يعني معاوية ـ لمن أولئك، فما راجعه عثمان بحرف.
وروي أنه رأي عيرًا تحمل زقاقًا، فسأل: أزيت هو؟ قالوا: بل خمر تباع لحساب معاوية، فقام إلى شفرة فمزقها جميعًا، وأراق ما بها، مما أغضب معاوية حين علم أشد الغضب.
وكان عبادة قد اشترك في فتح اللاذقية، وجبْلة، وقبرص وبها توفيت زوجته أم حرام بنت ملحان، وضريحها موجود إلى يومنا هذا في لارناكا داخل مسجد شيده العثمانيون ويدعى هالة سلطان، كما شهد فتح مصر سنة وكان أمير ربع المدد كما ذكرنا، وكان قائد فتح الإسكندرية في العام الخامس والعشرين للهجرة، يقول ابن عبد الحكم: لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندرية، استلقى على ظهره، ثم جلس فقال: “إني فكرت في هذا الأمر، فإنه لا يصلح آخره إلَّا من أصلح أوله ـ يريد الأنصار ـ فدعا عبادة بن الصامت، فعقد له، ففتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك”.
عبادة بن الصامت والمقوقس
ـــــــــــــــ كان عبادة قد ترأس وفد التفاوض مع المقوقس الذي ارتعب من سواد عبادة، وكان عاقبة ذلك إيثار المقوقس للسلامة إذ انسحب بقواته مما عجل بنصر المسلمين.
بعث المقوقس رسله مرة أخرى إلى عمرو بن العاص يقولون له:" ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم "
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت ولم تذكر المصادر أسماء الآخرين، وكان عبادة أسود اللون وطوله عشرة أشبار – أى يتجاوز المترين طولاً – وأمره أن يكون متكلم الوفد وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث.
فركبوا السفن وعبروا من جهة بابليون إلى الجزيرة، فلما دخلوا على المقوقس تقدم عبادة فهابه المقوقس، وقال :" نحوا عنى هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني "
فقالوا جميعًا :" إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلمًا وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، أمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله " .
فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟"
فقالوا: لا إنه وإن كان أسودًا كما ترى فإنه من أفضلنا موضعًا، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأيًا، وليس يُنكَرُ السواد فينا، ثم قال المقوقس لعبادة" تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة".
فتقدم إليه عبادة وقال:" قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سوادًا مني وأفظع منظرًا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعًا وكذلك أصحابي؛ وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلبًا للاستكثار منها، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهمًا، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يتلحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذى بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاؤها ليس برخاء، وإنما النعيم والرخاء فى الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله فى رضاء ربه وجهاد عدوه "
فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله :" هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط ؟ لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها ". ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت فقال :" أيها الرجل الصالح قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة، ما يبالى أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرًا، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به " .
 عبادة يعرض على المقوقس شروط المسلمين
 ــــــــــــ ثم بعد الحوار يعرض عبادة رضي الله عنه على المقوقس مطالب المسلمين فيقول: فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير وبها أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبلُ إلينا، إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه فان فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا وكان أخانا في دين الله، فان قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم، فان أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدًا ما بقينا وبقيتم ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا وكان لكم به عهد علينا، وان أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أو نصيب ما نريد منكم، هذا ديننا الذي ندين الله به ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره فانظروا لأنفسكم.
فقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدًا، ما تريدون إلا أن تتخذونا لكم عبيدًا ما كانت الدنيا.
قال عبادة بن الصامت: هو ذاك فاختر ما شئت.
فقال له المقوقس فلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الثلاثة خصال؟.
فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه وقال قد فرغ القوم، فما ترون؟.
فقالوا أو يرضى أحد بهذا الذل؟!أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا ما لا يكون أبدًا أن نترك دين المسيح بن مريم وندخل في دين غيره لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدًا فالموت أيسر من ذلك لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارًا كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعُبَادة قد أبى القوم فما ترى؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون
فقام عبادة وأصحابه..
فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله: أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله ما لكم بهم طاقة ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين.
فقالوا: وأي خصلة نجيبهم إليها؟.
قال: إذا أخبركم، أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به. وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم، ولابد من الثالثة".
قالوا: أفنكون لهم عبيدًا أبدًا؟.
قال: نعم، تكونوا عبيدًا مسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا عن آخركم وتكونوا عبيدًا تباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدًا أنتم وأهليكم وذراريكم
قالوا: فالموت أهون علينا
وأمروا بقطع الجسر من بين بابليون والجزيرة، وبالقصر الحصن من الروم جمع كثير فألح عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال على من في الحصن حتى ظفروا بهم ومكنهم الله منهم فقُتِلَ منهم خلق كثير، وأُسِرَ من أُسِرَ وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة.
 وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرًا، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به " .
المسلم لا يهاب عددًا ولا عدة
 ـــــــــــــــــ تكلم عبادة عن هدف المسلمين من الجهاد في سبيل الله وهو نشر هذا الدين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأن المسلم لا يهاب عددا ولا عدة فقال للمقوقس:" يا هذا لا تَغُرَّن نفسك ولا أصحابك؛ أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنـّا لا نقوى عليهم فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم، لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قُتِلْنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذٍ لعلى إحدى الحسنيين، إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه: [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة: 249} وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحًا ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا أرضه ولا أهله وولده وليس لأحد منا هَمٌّ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا رَبَّه أهلَه وولدَه وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا فنحن في أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه.
وقال ابن عبد البر : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مرثد الغنوي ، وشهد بدراً والمشاهد كلها ثم وجهه عمر رضي الله عنه إلى الشام قاضياً ومعلماً فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين . 
مكان وسنة وفاته :
ــــــــــــــ
قال عبادة بن الصامت في يوم وفاته: أخرجوا فراشي إلى الصحن. ثم قال: أجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل عليَّ، فجمعوا له، فقال: إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا، وأول ليلة من الآخرة، وإنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو والذي نفس عباده بيده، القصاص يوم القيامة، وأحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي، وتوفي رضي الله عنه العام 34 هجرية بالرملة في أرض فلسطين.
 قال ضمرة بن ربيعة عن عبد الحميد بن يزيد الجذامي قال لي رجاء بن حبوة يا أبا عمرو: هاهنا قبر أخيك عبادة بن الصامت إلى جانب الحائط الشرقي يعني ببيت المقدس.
قال ابن عبد البر : انتقل إلى فلسطين ، ومات بها ودفن بالبيت المقدس وقبره معروف إلى اليوم.
قال الإمام ابن حبان : سكن الشام ومات بالرملة ، ودفن ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان على القضاء بها .
 
Top