أبكي العراق
جمال داود الهيتي
أبكي العِراقَ وأَبكي النَخلَ والقَصَبا
أَبكي الجِبالَ وأَبكي مائَهُ العَذِبا
أبكي الهَديرَ وفي بَغدادَ قَدْ ذَبَحوا
وَردَ الصَباحِ فأَضحى الخيرُ مُنسحِبا
أبكي المَسيحَ وفي ساحتِنا نَصَبوا
مَشانقَ الحِقدِ مَتروكاً بِها صُلِبا
أبكيكِ بغداد أَبكي ثَغرَنا عَصَفَتْ
ريحُ الخرابِ فَنالَتْ مِنهُما العَصَبا
أبكي الفراتَ وقد جار الزمان بهِ
فغادرَ الطيرُ من أوكارهِ هَرَبا
ودِجلةُ الخَيرِ ماتَتْ كُلُ فَرحَتهِ
جَفَتْ روافدُ والينبوعُ قدْ نَضَبا
أبكي شمالاً وقد زادَ الهيامُ بهِ
أبكي رَوابيهِ أبكي النَبعَ و(الرَشَبا )1
وأَشتَكي جَورَ جيرانٍ لنا سَكَبوا
زَيتاً بناري فأمسى الكُلُ مُلتهِبا
في أرضِ بابِلَ في أشورَ وأسفي
حَرْقوا المَتاحِفَ والآثار والقبَبا
قد أيقظوا فتنةً رَعناءَ نائمةً
فكانَ مَورِدُها الأجسادُ لَا الحَطَبا
فأين ( هارون ) ؟ ما عادَت غَمامَتهُ
تَفي الخَراجَ فَتَمحوا المَحلَ والجربى
قد صُمَ ( مُعتَصِمٌ )ما عادَ يَسمَعُها
فَكَمْ تَناخَتْ نِساءٌ عِرضُها أُغتُصبا
يا سَيدَ العَدلِ عَفَتْ في إَمارَتِكمْ
أَيدي الرِجال فَفاضَ الخير مُنسَكِبا
واليومُ يا سَيدي من موطِني سَرقوا
قوتَ الصِغارِ فَأَضحى العوزُ مكتسبا
يا أبن العراق سليلَ الخير من زمنٍ
أَمَا تكون بلادي منبعاً خَصِبا ؟
ماذا نقول لأجدادٍ لنا رفعوا
صرحاً بهياً بعلمٍ زيَّنَ الأَدَبا
هُمْ عَمَروا الأَرضَ في عهدٍ يُعَمدهُ
خُلقُ الرسولِ وآلُ البيتِ والنُجبا
وسَطَروا سِفرَهَم في كُلِ ناحيةٍ
وأتبعَوا القَولَ بالقرطاس إِذ كُتِبا
فَهَل نَسيتَ حضارات لنا رَفَعَت
رَايُ العِراقِ وبالعَلياء مُنتَصِبا
كَيفَ ارتضيت بأن تُسبى حضارتنا
وتَسلبُ الخَيرَ والرُمانَ والعِنَبا
ويُنحرُ الوَردُ في أَيامٍ بَهجَتهِ
وَيُكسَرُ الغُصنُ في أَشجارِهِ رَطِبا !
ويَصبحُ المَوتُ مَشروعاً يؤججهُ
تُجارُ حَربٍ لِكَي يَبغونَها إِرَبا
ضَجتْ فُجاجُ الرُبا تَشكو مُصيبَتنا
إذ كان حاكِمُنا للمَوتِ مُرتَكِبا
يَكفيكَ نوماً فقدْ حَلَتْ بَشائِرهُ
صُبحٌ وَقَدْ كَحَّلَ العَينِينِ وَالهَدَبا
بِلادُكَ الخَيرُ يَسري في مَكامِنِها
وَسِحرُها باذخٌ في السِهل حينَ دبا
إنَّ الشعوبَ أذا كانِتْ مُصَمِمَةً
للبَذلِ لا تَرتضي لَوماً ولا عَتَبا
1. الرشبا : الريح السوداء باللغة الكردية