حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
صندوق العروس مقالة من التراث
صندوق العروس يا مْعبّأ احلام والكحل والحنّا وبريش النعام
هذه الأغنية الشعبية - يا دام سعدكم - طالما دغدغت مسامعنا، وزينت اعراسنا , في المدن والقرى والبوادي , لكن المثير في الامر ان الكثير من ابنائنا وبناتنا يتراقصون على انغامها الرائعة وربما لا يعرفون المعنى والمبنى لهذه الاغنية , واظنهم ما راوا وما سمعوا اصلا بصندوق العروس . ولمعرفة ما هو صندوق العروس , وكيف كانت تجري مراسيم الزواج في بلادنا على عهد ابائنا واجدادنا , وهي بالتأكيد تختلف عن الطرق المتبعة في هذا العصر . تعالوا اذن نبدأ القصة من اولها , بعد ان تصلوا على الحبيب المصطفى :
في يوم من ايام عام١٩٧٢ كنا على اعتاب امتحان الثانوية العامة , وقد حدد كل واحد منا ــ نحن طلبة المرحلة ــ تقريبا وجهته بعد ظهور النتائج , حيث لم تكن الجامعات متوفرة في الضفة الفلسطينية لنهر الاردن , والتي وقعت تحت الاحتلال عام 1967 سوى جامعة بير زيت , وكانت لا تستوعب الا القليل من الطلبة . والحقيقة كنا نود الدراسة الجامعية في خارج الوطن المحتل لسبب اخر, وهو ان ننفكّ من ذلك السجن الكبير الذي وضعتنا فيه قوات الاحتلال ولو لفترة محدودة , ولا سبيل للخروج منه الا بالدراسة في الخارج . وكنا نحصل على جواز السفر الاردني والذي يسمح لنا بالسفر الى اي بلد في العالم , بموجب قانون الوحدة بين ضفتي الاردن عقب نكبة 1948.
بدانا الاستعدادات قبل ظهور النتائج , واخذنا نجهز الاوراق اللازمة للحصول على الجواز , وكانت المعاملة تتطلب جواز سفر الوالد وعقد زواج الوالد والوالدة بالإضافة الى شهادة الميلاد , ثم ترسل المعاملة عن طريق وسيط الى عمان للحصول على جواز السفر .
اخرجت الوالدة علبة من الصفيح ( علبة حلو حمراء اللون مزركشة ) كانت تضعها في الرف العلوي من النملية ( خزانة صغيرة بدرفتين ) , وجلست انا وهي على المسطبة نتفقد الاوراق الرسمية التي كانت تحتفظ بها . والوالدة امية لا تقرا ولا تكتب ,هكذا كان على عهدهم، فقط تناولني الاوراق بفرحة غامرة , فابنها سيحصل على جواز السفر وسيذهب للدراسة في الخارج . بدانا التنبيش والفحص والتمحيص حتى حصلنا على ما نريد . ومن باب الفضول فتحت عقد الزواج واخذت اقرا , الى ان وصلت الى المهر , حيث لفت نظري ان المهر بكامله عشرون دينارا , لا مؤخر ولا توابع , قلت مستغربا : يامّا ! أهذا هو مهرك ؟ عشرون دينارا ! قالت : نعم , قلت مستغربا : لكنه قليل , ماذا يمكن ان تجهزي به ؟ قالت وقد لمع في وجهها بريق مع ابتسامة مشرقة, وكأنها تتذكر ماض جميل : يا ولدي هكذا كانت المهور على ايامنا , بين العشرين والخمسين , انت يا ولدي تتحدث عن سنوات المحل التي تلت نكبة 1948. قلت : هل هذا المهر كان يكفي لتجهيز العروس ؟ قالت: نعم ، على زماننا كان يكفي ويزيد . يا ولدي على زماننا كانت ليرة الذهب الإنكليزي او الرشادي ( العثماني) وزن عشر غرامات بدينار اردني بعني يمكن ان تشتري عشر ليرات ذهبية مع الخاتم والحلق بعشرة دنانير , كانت الليرات الذهبية تعلق على شكل قلادة في خيط من الكتان اسود اللون , ثم تشتري العروس ثوبين او ثلاثة من بينها ثوب العرس الذي عادة ما تطرزه بيدها بالحرير خلال اشهر الخطوبة حسب ذوقها , بمبلغ لا بزيد عن خمسة دنانير . ثم صندوق العروس وما يحتويه من ملابس العروس وادوات زينتها والمناديل المطرزة وغطاء الشمعدان ( مصباح الانارة قبل عصر الكهرباء) وغطاء شّربة الماء الفخارية. قلت : انا اتذكر هذا الصندوق لكن احب ان تحدثيني عنه بكل تفاصيله لأسمع وصفك له . قالت : هو صندوق من الخشب المزخرف حوالي المتر طولا ونصف المتر عرضا و80سم ارتفاعا , له غطاء مزخرف وقفل صغير , تضع فيه العروس حوائجها الخاصة , وتتفاخر بجمال زخرفته , يحمل معها يوم زفافها الى بيت زوجها ، من الداخل يقسم الى قسمين : قسم لملابس الزوجة وقسم لملابس الزوج ، وفي الأعلى زاوية خاصة لأدوات الزينة ، وصندوق صغير للحلي . وهذا الصندوق كان يكلّف ايضا بأدوات الزينة خمسة دنانير في اغلى حالاته , حسب الزخرفة ونوع الخشب , قلت وغرفة النوم والجلوس والادوات الكهربائية , قالت : يا ولدي هذا الصندوق سد عن خزانة غرفة النوم , اما السرير ففرشتان من الصوف بلحافين تفرشان على الارض ليلا , وفي الصباح ترتبان لاستقبال الضيوف , اما ادوات المطبخ فعبارة عن قدر صغيرة وبعض اللاعق والصحون وكوز ماء واريق شاي وبعض الكاسات وغلاية قهوة بفناجينها , واما الشمعدان فتحرص العروس على احضاره معها من بيت اهلها , هذا كل شيء وصلى الله وبارك , يعني باختصار لا يتكلف الزوج فوق ذلك شيئا . وفي العادة تقوم الام بتجهيز بيت ابنها مما هو موجود تحت يدها . قلت : وحفلات الزفاف ! سمعت السهرات كانت تقام ثلاث ليال وربما سبع , تذبح الذبائح وتقام الولائم ويأكل الجميع , قالت : يا بني في ذلك الزمان كان التكافل بين الناس على اصوله , كل من يحضر العرس يُحضِر معه حسب قدرته من المتوفر في بيته فمنهم من يحضر الذبائح ومنهم من يحضر الارز واللبن والسمن والسكر والشاي والقهوة , والعريس لا يتكلف شيئا حتى الفاردة( موكب العرس) التي ستذهب لإحضار العروس كانت على الدواب يخصص جمل لتركب العروس في الهودج وتضع بجانبها صندوقها حتى تصل بيت زوجها .
جعلت كلامها مدخلا لعدة تساؤلات تتعلق بالحياة الاجتماعية للناس فترة ما بعد النكبة قلت : يا امي هل كنت تعرفين الوالد قبل الزواج ؟ قالت : لم ار صفحة وجهه الا بعد الزواج بأيام . اعتدلت وارخت سدولها وبدا وجهها بالاحمرار استعدادا لإكمال ما بدأت به ,وكأنها تريد الحديث من تلقاء نفسها قالت : اسمع يا ولدي الزواج اقدار قسمة ونصيب , ليس شرطا ان يعرف كل منا الاخر حتى يكون الزواج ناجحا . العشرة يا بني تولد المودة والمحبة والرحمة، والرضى بما قسمه الله , وكلٌ يعرف واجباته فيؤديها قبل المطالبة بحقوقه . علمت يوما ان عريسا جاء لخطبتي , ومواصفاته وافق علها اهلي وتمت الخطبة , وبعد شهر من الخطبة حضر . توقفت عن الكلام واحمر وجهها اكثر ثم اردفت : جاء مع جدتك لأبيك لزيارتنا , وسمعت صوته ينادي على خالك , وكان في عرْفنا في ذلك الوقت لا يجوز ان يرى الخطيب مخطوبته , فخرجت مسرعة مرتبكة من النافذة , وهربت باتجاه بيت عمي فتعثرت ووقعت على وجهي , وبعد الزواج بقيت عدة ايام استحي ان انظر اليه خوفا وخجلا , كنت اذا سمعت وقع نعاله قادما يدق قلبي رهبة وهيبة . قلت : وهو الم يرك ؟ معقول ان يشتري سمكا في بحر ؟ قالت : لا يا بني , الرجال غيرنا , علمت بعد ذلك انه راني بالاتفاق مع خالك عن بعد وانا املا الماء . قلت : كم كان عمر كل منكما ؟ قالت : انا كنت ستة عشر عاما وهو ابن تسعة عشر .
اقول ايها السادة الافاضل : كان الله في عون شباب هذا الجيل , يتخرج الشاب ليجد نفسه يعمل براتب بحدود 400دينار , ومطلوب منه قبل ان يتقدم للخطبة ان يجهز بيت الزوجية , فبنات اليوم يرفضن السكنى عند الاهل , بحجة الحد من حرية الزوجة , فلا بد من بيت مستقل , يدخل بعد ذلك في قضية المهر واقله خمسة الاف مقدم ومثلها مؤخر , ثم غرفة النوم وغرفة الضيوف والكهربائيات الثلاجة والغسالة الفل والتلفاز والمكنسة والمكيف وادوات المطبخ وهذه التكاليف اكثر من المهر , ثم يأتي دور حفلة العرس في الصالة الفلانية بالمبلغ العلاني , ثم الصالون وحده قصة لا تقلّ اجرته عن الف دينار من بدلة الفرح , ثم السهرة والغداء والتعليلة (..و و و ) طلبات على راسه , لها اول ما لها اخر , وادفع يا حبيب امك , لتفيق المستورة في الصباحية لتجد نفسها وقد حَمّلت زوجها ديونا سيسددها من لقمة عيشهم لينتهي بهم المطاف الى زمرة الفقراء او على ابواب المحاكم الشرعية . طابت اوقاتكم .
