(بطولة أبي الحركشات قطعت دأب المشاكسات)
أدب /..عبدالمجيد محمد باعباد
(أبو الحركشات) بطولة رقم (20)
صباح ذات يوم جميل رفرفت أمامنا أجنحة الفراشات وانطلقت محيا الوجوه بالبشاشات وخرج الناس من منازلهم لطلب المعاشات وهم يرتدون على أجسامهم ثياب الشياكات ويخفون بداخلهم أوجاع الحشاشات فلا تغتروا بما تظهره أمامكم الشاشات ولا تبهركم أزياء المتشتشات فإن العقول تعرف بأول النقاشات وإن الطباع تظهر في محك المناحشات فقد خرج باكرًا من داره (أبو الحركشات) فسمع في طريقه الوشايات وأبصر أخلاق القوم في المشاكسات وشاهد بينهم انتشار المناخشات ثم سمع بعض المارة تقول ذلك فعل (غادر النكشات) فتقدم إليه( أبو الحركشات) ليدلي له بالنصيحة في وضح الصبيحة فتزنح وجهه غاضبًا واشتد عصبه فائضًا بالغضب وتقلب محياه مقتضبًا ما الخطب فقال كيف كيف أو تصدق ما تسمع حين تجزع ولا تستيقن ما يقال ولا تقذع ولا تتفحص ما تسمع وإنك تجل بهذا الساخط القابع وتقمع المسؤول المتابع وتدع الفاسد المتربع إنك بتعاميك ترى الطفوح ولا تصدح وتنظر الوضوح ولا تستوضح وتسمع الوقوح ولا تناصح فقد خاب من جادل الحساد وخسر من صدق أقوال الأحقاد فإن البلاد تنؤ بحمل الفساد فلا مجال لبعث الرشاد ولا مكان لعقول الأفذاذ فإن الطريق مليئة بالأشواك وأن المسار أوشك نحو الهلاك وأن السكوت على ذلك يزيد العراك وقد صرنا في عصر التناقض ولا أخفيك بعد أن صار الساكت بهذا راضيًا والصامت عن ذلك أصبح ناطقًا حتى الواقف صار متحركًا والحق أصبح ظلمًا والنور صار ظلامًا والخلف صار أمامًا والصدر رجع ظهرًا والعلو صار دنوًا والسهل صار جبلًا والبحر أصبح سرابًا وهلم جراء فقد بكت يراع المهارق حدادًا وفاقت المرافق فسادًا وزادت المكائد عنادًا وغاب الرشد من زماننا فعلامَ تناصحني لإني حاربتُ الفساد وأهله وعلامَ تعاتبني لأنني جئتُ إلى الناس بالخير وانتهجت طريق الإصلاح أو يكون المصلح مخربًا ويصيرُ الخاسرُ مستربحًا والله لن أرضى بهذا الجهل والركون ولا أبتغي بين الناس الهوان وما أريد في مهامي إلا الإلتزام بما هو مضمون وما أريد إلا تطبيق القانون فإني بذلك قد أفشلت قائمة العاجزين وأبقيت مسودة الملتزمين وأزحتُ أسماء الفاسدين من مهامهم وطردتُ المخالفين عن وظائفهم فإليك معلومات الكشوف وهذه ملفات البيانات ألا تشوف ؟أني ما فعلت إلا صوابًا ثم أنشد مستعذبًا:
جزَيْتُ مَنْ أفسد بي عهدهُ
جَزاءَ مَنْ يجني على أسهِ
وقضيت بالعدل كما بان لي
على وَفاءَ الكَيْلِ أو بخْسِهِ
ولسْتُ بالموجِبِ حقاً لمَنْ
لا يوجِبُ الحقَّ على نفسِهِ..
فتيقن أبو الحركشات إن الناس تعيش عصر التناقضات وتنشر الإشاعات على قارعة الطرق وتفهم أن الموازين قد انقلبت وكل المفاهيم تغيرت وحتى المواثيق انحلت فعاد إلى داره كئيب الحال يشكو أخلاق الرجال لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها لكنّ أخلاق الرجال تضيقُ!...
