لم تحض بوطن ولا حتى منفى
د.هاشم عبود الموسوي
انهاغصة أخرى ..قصة سمعته اوعايشت مسارتها وكاد ينفطر مني القلب ألما ونزفا حد الموت .. وبقيت أتساءل كيف لأوطاننا هذه وهي توزع ساكنيها ليموتوا بلا وطنٍ وبلا منفى ؟ !
نعيمة ، إمرأة في مقتبل العمرمن حمص في سوريا ..بعدما فقدت زوجها في الحرب المفتعلة في سوريا .. جملت ولديها معها و فرّت لتستقر لسنوات في أحد المخيمات البائسة في الأردن ..لم يكن لديها في غرفتها سوى فرشة بالية وغطاء واحد لتنام تحته محتضنة طفليها .. ومنتظرة منذ سنوات أنها سَتُرَحل من قبل الأمم المتجدة الى مستقرٍ لها في احدى الدول الأوربية ..تضورت جوعا و بردا حتى حصلت على مساعة مالية من رجلٍ عراقي كريم ، لتدفع اجور الماء والكهرباء التي تراكمت عليها في ذلك السكن البائس الذي تبرع به لها ولغيرها مشكورا رجلٌ من احدى الدول العربية .. ..في كل ليلة كان يتصاعد الهذيان بين هؤلاء المشردين ، يتبادلون الحديث الذي يثقب القلب و يدفع االتأوهات و أشباح الأمنيات التي تتطاير في فضاءات بلهاء .. همسات ترانيم واهية ، وهذيان دموع ..لكنها كلها تبهت متوقفة في ساعات متأخرة من الليل ..وينقطع الحدبث قبل نومهم بنوايا و آمال مظللة قبل بزوغ الفجر.
وبعد سنوات ، فجأة تأتي الموافقة لنقل عددٍ من اللاجئين الى النرويج ، و كانت نعيمة و ولديها من ضمنهم ..وتأتي المفاجأة التي سمعتها و أبكتني لمدة يومين بلا انقطاع ..
فعند وصول هذه المرأة المتعبة الى الشقة ، التي كان يمكن أن تكون هي السعادة التي حلمت بها لها و لولديها ..توفيت بشكل مفاجئ بالسكتة القلبية وظل الطفلان يتحلقان مثل الحمائم حول جسدها المسجى عل الأرض.ا..فهناك كانت نهاية رحلتها ، عندها لم تحض بمنفى ولا حتى وطن ، وتركت ولديها خلفها بلا معين ،وهما بانتظار سقفٍ آخر .
ولتقرأوا التسجيل الصوتي الذي نطق به أحد ولديها : (( ذهبت لأمي في ثلاجة الموتي ..ألهمني الله القوة و الشجاعة , وقبلت يديها و جبهتها ، وسمعتها توصيني بأخي و بدراستي و بقراءة القرآن..لقد كان لسانها لا يتحرك ، ولكني سمعت صوتها وهي توصيني )) .
لم أرغب أن أُبكيكم ، لذا لم أرفق التسجيل الصوتي لهذا النص الذي نطق به ولدها . .
ولتبقَ المنافي تسأل أوطاننا عن سر طلاسمها !
وقت الكتابة الساعة الثالثة والنصف من فجر السبت الموافق 5/12/ِ2020