كيـــف تصنـــع مريضــــاً؟
بقلــــم الأديب المصـــرى
د.طـــارق رضـــــوان حمعـــه
"سنعتصركم حتى إفراغكم مما في أنفسكم، ثم سنملؤكم بما في أنفسنا."
“سنجعل من ذاكرة شعبنا صفحة بيضاء لنكتب عليها أجمل العبارات وأنبل الأفكار”
تبنّت الولايات المتحدة الأمريكية أفكار سيغموند فرويد في الإقتصاد والسياسة والمجتمع كما لو أنها دينٌ جديد. فيقال مثلاً: حرب الكلمات، والحرب النفسية، وحرب الإرادات، والحرب الباردة، والحرب السياسية، والحرب ضد الفقر والمرض .وقد دخل في حيز الإستعمال مؤخراً مصطلح القوة الناعمة أو الحرب الناعمة. أفكار سيغموند فرويد تعتمد على أنْ ثمّة قدْر كبير من الثغرات والضعف في النفس البشرية.
التغيير هو سنة المجتمعات البشرية التي ومنذ فجر التاريخ لم تستقر على حال. ومع أن عوامل التغيير ترتبط بظروف مواجهة تعقيدات الحياة، وأن مسار التغيير وشدته يختلف بين شعب وأخر، إلا أنه بات من البارز لدى علماء الاجتماع أن التغيير أول ما يطال الأنظمة السياسية والاقتصادية والجوانب القانونية. ولكنه يحدث بوتيرة إقل إبطاءً في النظام الإجتماعي لترسخ العادات والتقاليد والمعايير القيمية السائدة .كل ذلك حدث قبل ثورة عالم التكنولوجيا والاتصال. ولأهمية ثبات العادات والتقاليد والثقافة السائدة كانت التجارب المريرة للأنبياء والرسل إزاء تحدي ثبات الأعراف السائدة في جمودها وتخلفها بحجة أنها عادات وتقاليد الآباء.
في عصرنا الراهن الناس هي من تطلب التغيير في منظومتها الإجتماعية. نلاحظ انه حتى الشعوب التي تقول بوجود غزو ثقافي نجد أن هذه الشعوب ذاتها هي التي تبادر إلى تمثل الصيغ الجديدة.
الحرب النفسية أكثر دمارا من الرصاص في الحرب لأنها تدمر الفكر والعقل والنفس وكل ما يحيط بالإنسان إلي أن يصبح جثه هامده تتحول من شكل إلي اخر دون أن يشعر بما يحدث له. وما يمارسة الإعلام الأن هو الحرب النفسية لتغير عقول الناس وإتجاهاتهم بطريقة لا شعورية وكأنها عملية تخدير تصيب النفس .أسلوب غسيل المخ او الدماغ هو أسلوب فردي توجه فيه الجهود غالبا إلى فرد واحد محدد كالاسرى. بينما الأساليب الأخرى في الحرب النفسية مثل الدعاية والإشاعات ومحاولات الإقناع و تعديل أو تغيير أفكار الفرد أو معتقداته أو سلوكياته غالبا ما توجه إلى الجماعة
كتاب "كيف تصنع مريضاً" كتاب في علم النفس، من تأليف عالم النفس السلوكي جورج ويلز، وقام بترجمته إلى العربية الدكتور عبد العزيز علي. ويصل بنا الكتاب إلى الشرح التفصيلي لأكثر من عشرين تقنية مختلفة من تقنيات غسيل الدماغ وطرق وأساليب الإمراض النفسية للأسوياء والتي منها التنافر المعرفي، والذبذبة العصبية، والإبدال المعرفي، والتشفير العميق، والتقطيع الإدراكي، والتشويش الإدراكي، والدمج بين المتقابلات، والتحويل بإعادة الجذب وغيرها من التقنيات النفسية. بعض هذه التقنيات هي نفسها تقنيات للعلاج النفسي ولكنها تستعمل بشكل عكسي، والبعض الآخر منها يعتبر من أنواع غسيل المخ.
وتستهدف الحرب النفسية الجنود والمقاتلين وأبناء الشعب بمختلف فئاته من عمال وفلاحين ومثقفين وهي بذلك أكثر اتساعا وشمولا من ساحة القتال لذلك فان تأثيرها أكثر خطورة وأشد ضررا كما أنها لا تعتمد على المواجهة الصريحة كما يحدث في المعارك العسكرية ولكنها تلجأ إلى أساليب خفية وملتوية ومقنعة غير معروفة بالنسبة لغالبية الشعب. وقد تؤدي حملات الحرب النفسية إلى بلبلة أفكار أفراد الشعب أو إلى شعورهم بالثقة بالنفس والى ضعف الروح المعنوية وانخفاضها والشعور باليأس وعدم إحراز الانتصار والى انتشار نزعات استسلامية وتيارات انهزامية. وفي كثير ما تؤدي الحرب النفسية إلى انعدام ثقة الشعب في الهيئة الحاكمة وعدم الثقة قدرة القيادة السياسية والعسكرية والى عدم إلتفاف الشعب حول قادته.ويمكن إستخدام الحرب النفسية فى في وقت الحرب أو وقت السلم أو وقت إعلان الطوارئ.
ومن أساليب الحرب النفسية:
1- الإشاعة
2- التضليل الإعلامي
3- غسيل الدماغ
4- الغزو الفكري
5- الفكاهة (النكتة) و الكاريكاتير
6- البلاغات و النداءات
7- التخريب النفسي و افتعال الأزمات و إثارة الرعب و الفوضى
8- استعراض القوة و عرض الأسلحة
9- تشويه الشخصية
ومن أساليب غيسل المخ
١- عزل الشخص عن الحياة العامة
وذلك بان يزج بالفرد في زنزانة ذات ابواب حديدية وفي داخل اسوار حديدة بعيدة عن كل معارفه القدامى وعن كل مصادر المعلومات وصور الحياة العادية وهو في هذه الحالة يصبح نهبا للتعليقات والتحذيرات المفزعة ويغطى عقلة بغيوم تحجب عنه مايدور خارج سور زنزانته ولم يختلف التكنيك الذي يستخدم اليوم عن ذلك الذي استخدم ايام محاكم التفتيش او الذي استخدمه النازيون مع اسرهم في معسكرات الاعتقال .
٢- الضغط الجسماني
يتفاوت من الحرمان من الطعام ومن النوم الى التصفيد بالاغلال كعقوبة لعدم التعاون مع المستجوب والهدف من هذا كله هو الوصول بالفرد الى درجة من الإعياء والإنهيار بحيث يكون عقلة قابلاً لتقبل أي توجيه من المستجوب.
٣- التهديدات وأعمال العنف
يتخذ هذا الإسلوب شكلين متناقضين فإما أن يكون مباشراً كاستخدام العنف والضرب والركل حتى الموت ، وإما أن يكون التهديد والعنف بشكل غير مباشر فمثلا قد يتحدث المستجوب مع السجين بمنطق هادئ بينما يجعله يكشف عن طريق شخص أخر أن صديقه الذي لم يتعاون قد ضرب أو أعدم.
٤- الاذلال والضغوط
تعتمد هذه الوسيلة على إتباع كل نظم السجن التي تتطلب الخضوع التام مع الإذلال في إسلوب تناول الطعام والنوم والإغتسال وما إلى هذا.
كيفية مقاومة غسيل الدماغ:
نحتاج إلى تفعيل نماذج تربوية متكاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة ومراكز العبادة ووسائل الإعلام لتحصين المجتمعات بمنظوماتها القيمية وتربية الفرد بما يتيح له التعامل مع مصادر المعلومات والقدرة على اتخاذ القرار وبما يشكل مناعات ذاتية قادرة على التعامل مع خرافة القادرين على التلاعب بالعقول.
إن إشباع كل ما يخطر على بال من رغبات لا يوصل بالضرورة إلى حياة طيبة هانئة وعلينا أن نعيد للإنسان بعده الآخر أي البعد الروحي المتلازم مع البعد المادي وهو ديدن الأديان والفلسفات غير المادية.
علينا أن نركز في أدبياتنا على مخاطبتنا الإنسان الكوني حول مخاطر التقدم التكنولوجي والنووي والمخاطر الايكولوجية التي تهدد البيئة بأسرها والتي بمقدورها إنهاء كل أشكال الحياة على هذا الكوكب.
أن نصغي إلى تطلعات الجيل الجديد بما يعيد إليه الأمل بمستقبل ربما يمكّن من التغلب على الشعور بالفراغ والشعور بخلو المعنى وتعزيز قدرته على الشعور بأهمية القيم الواجبة والمستحبة والتمييز بينها وبين القيم الهجينة والمستهجنة.
علينا التفكير بعودة الفرحة التي تغمر الإنسان (امرأة كان أم رجلاً) حين يعطي ويشارك ويعلن استعداده للتضحية وليس حين يستغل أو يكتنز المال الوفير، وحين يخرج إلى المجتمع كذئب تقابله ذئاب.
ويرى الدكتور كاميرون، رئيس الجمعية الأمريكية للطب النفسي، أن الطب النفسي لاينبغي أن يُركّز على المرضى فقط، إنما أن ينخرط في الحكومة، وأنه يجب على السياسيين الإستماع لما يقوله الأطباء النفسانيون الذين يجب إشراكهم في كل محفل برلماني وسياسي، لأنهم العارفون والمدركون بطريقة عقلانية ماهو الجيد للناس، وماهو الخير للأمّة واستمرارها.
إعتقدَ كاميرون أن بإمكانه تغيير الوظائف الأساسية للأفراد، أنّ بإمكانه تعديل ذكريات ماضيهم وسلوكهم القديم، وأن بإمكانه محو كل شيء عنهم بحيث يصير الفرد سجلّاً فارغاً يمكن الكتابة عليه، وتلقينه طرائق جديدة للسلوك، وكأنّ به يردّد عبارة ماو تسي تونغ: “سنجعل من ذاكرة شعبنا صفحة بيضاء لنكتب عليها أجمل العبارات وأنبل الأفكار”، أو العبارة الواردة في رواية جورج أورويل (1984) التي نُشرت قبل عامين فقط من ابتكار مصطلح (غسيل الدماغ):
“You will be hollow. We shall squeeze you empty, and then we shall fill you with ourselves”
“سنعتصركم حنى إفراغكم مما في أنفسكم، ثم سنملؤكم بما في أنفسنا”
