لينا سميرات
المقامة العراقية
أم الربيعين (الموصل) I
في طريق العودة إلى بيتي في بغداد
لينا تتحدث: أنا إسمي فاخر، أصلي تاجر، أحب أن أسافر، وعند السفر أغامر. وحين وصلنا الرباط، وركبنا السفينة بكل نشاط، كان الصبح قد إحتاط، من برودة تجلدنا كالسياط، فأنا بالعتمة محاط. وكنت قد ذكرت لصديقي العربي، كم شدني الشوق لموطن أبي، وطفولتي حين كنت صبي. وقد غبت ثلاث سنين أو يزيد، عنك يابغداد الرشيد، قد سحت العالم القريب والبعيد. وبعد شهر من الإبحار، رسونا في ميناء اللاذقية في النهار، وقد تعبت من الأسفار. والطريق لبغداد بعيد، ولكن الشوق يطويه كالبريد، لعلي لقواي أستعيد، في طريقي والعمر إن شاءالله مديد. والتحقت في قافلة بعد يومين، وجهتها الموصل أم الربيعين. لو تذكرون هناك الصديقين. علي النجار ومنهل الملاح. سأزورهما وتُقر العين. في طريقي حطت القافلة في دمشق. وباتت هناك لليلة، فزرت صديقي ممدوح الوقية، وكان معي له هدية. وقضينا الليلة بالسهر، هيهات كانت من العمر، والقرود ناموا قبل الفجر. وحين ودعته أعطاني ألفاً من الدنانير، من وهجها الصرة تنير. وقد خجلت من هديتي المتواضعة، وياليتها لو كانت ضائعة. هي رطل من الرطب، كان في إحدى العلب، يشع صفاره كالذهب. إشتريته من إكذر آخر ليلة، وكان مكتوب لصديقي ممدوح الوقية. وأكملت القافلة المسير، وخفاف الجمال تغوص وتسير، والبرد في الليل عسير. وبعد شهر لاح نهر دجلة، وكانت القلوب إليه عجِلة، والمراكب على الضفاف وجلة، من الموج خجلة. ودخلنا من باب الجيش، والسكان خرجوا للعيش، يُدار الرزق منذ أيام الطيش. وكنت أبحث عن كروة، وحمّالٍ فيه قوة، لأن الأحمال قد زادت سطوة. وإذا بي أشعر بيد، على كتفي تهِد.ورجل يصرخ ويتوعد. ولم ينجني من الضرب، إلا عسس كانوا بالقرب. فأخذونا إلى قاضي المدينة، وماكان إلا منهل الملاح، وقد عرفني وماباح، وأخفى الصداقة منذ الصباح. وسأله منهل: ما دعواك يارجل، أخبرني وعلى عجل، وليصير القول مرتجل. وقدّم الرجل دعواه فقال: أيها القاضي، أنا إسمي راضي، وأريد الصلح بالتراضي، وهذا ما حدث في الماضي. حيث إني أطلب من الرجل ألفي دينار، وعدني أن أوفيها آخر النهار، ولكنه إختفى ومعه الآثار، وهل تضمن ياقاضي الأعمار؟ وأنا صاحب عيال صغار، وهذا الرجل صاحب أسفار. وحين أذن منهل لي بالحديث: يا منهل أنا فاخر، أنسيتني حين كنت تاجر؟ والآن لبست العمامة وتفاخر. هذا الرجل لا أعرفه، وماكنت سأستهدفه، يبتليني بمال يخلفه، ويجدّف بقول ويحترفه. فتنحنح منهل ومن ثم زاد النحنحة، وسعل الرجل سعالاً ما أقبحه، ليتني لو إني أذبحه. والتفت منهل ناحية الرجل وسأله: هل لك من الشهود؟ والغد يوم مولود، وأنا فيه موعود، والكاذب للنار وقود. إن حلفتم كذباً حين معهم تعود. وأنت يافاخر، من سيضمنك في الموصل، فنبعث ورائه ونستعجل، شاهدٌ عليك ويكفل، والحارس له سنرسل. وحين أخبرته بالعنوان، أرسل الحارس للدكان، وكان الظهر في ذاك الأوان، وأنا في الحبس مع السجان. أغني من قسوة الخلان:
وأنا قد جئت بشوق لبيت
يا موصل فأين الوصال
لا منهل عرفني وأنا ابتليت
فهل تراني من الجهّال؟!...
ورب لخيرٍ أنا اصطُفيت
فأنا ماعندي من العيال
إلهي كيوسف في حبس رميْت
أفرجٌ قريب من حال لحال
وكانت القرود تصيخ وتجلجِل، صارت بالحبس تتملّل، جائعة والخبز لها أبلِّل، البؤس معي أحمل، وحاجياتي بجنبي أُهمل.
وللأحداث بقية، جلية، مضيّة
لينا سميرات

