GuidePedia

الام والوالدة
ـــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي -العراق -ا12-2018
الأم والوالدة، عُبّر عن مفهوم الأمومة في القرآن الكريم تارة بلفظ "الأم" وهو الأكثر حيث ورد ثمان وعشرين مرة (28), وتارة بلفظ "الوالدة" وهو قليل حيث ورد خمس مرات (5) فقط, واللافت للنظر هو أن لفظ الأم بصيغتي المفرد والجمع (أم وأمهات)
لا يرد في القرآن إلا مضافا: (أمي, أمه, أمهاتكم، أمهاتهم...). ولأن لفظ "الأم" أعم من لفظ "الوالدة" كان الأكثر استعمالا في القرآن الكريم حيث ذكر في سياقات مختلفة: منها قصة موسى وقصة عيسى عليهما السلام, كما ورد ذكره في حديث القرآن عن مراحل خلق الإنسان, وفي حديثه عن حمل الأم ومشقته ومدته, وذلك في سياق الحث على خلق الإحسان إلى الوالدين, ثم في حديثه عن طبيعة العلاقة بين الإنسان وأمه وسائر أفراد أسرته يوم القيامة. كما يأتي ذكر الأم ـ بصيغة الجمع على الخصوص ـ في مواطن ذكر بعض التشريعات كذكر المحرمات من النساء في الزواج (ومنهن الأمهات, وأمهات الزوجات, والأمهات من الرضاعة...) وذكر حكم الظهار، وبيان حصة الأم من الإرث في حال وجود الابن أو عدم وجوده.ثم يأتي اللفظ في سياق تحديد صفات زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمسلمين واعتبارهن أمهات لهم بما يكفل لهن تلك الخصوصية وذلك التشريف المناسب لوضعهن.وبذلك يكون مفهوم "الأم" شاملا لصفات: المرأة الحبلى, والمرضعة, والقائمة على رعاية الولد, وتلكم التي كبرت واستحقت الإحسان. وبذلك تكون صفة الأم صفة ملازمة للمرأة من حين حملها لولدها إلى أن تصبح هي في مقام تحتاج فيه إلى الرعاية والإحسان.
يطلق القرآن الكريم كلمة "الأم" على الأصل الطيب والمقدس لكلّ شيء عظيم. فمكّة المكرّمة هي "أم" القرى، لأنها مهبط الرسالات السماوية التي اختزلها الله عزّ وجلّ في "الإسلام" الذي كان غاية الرسل والرسالات جميعاً، فقال تعالى: { مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها } [الأنعام:92]، وقال: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومَن حولها} [الشورى:7]
وأطلق الله عزّ وجل على خزائن علمه مصطلح "أم الكتاب"، فقال تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد:39]. وهي التي يصدر عنها كل ما هو مخلوق ومعلوم وما تحيط به العقول، وما لا تدركه الأبصار من أمر الدنيا والآخرة، فهي مستودع تنفيذ إرادة الله عزّ وجل بين الكاف والنون
إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُن فيكون }.
وعلى هذا النسق يفرّق القرآن الكريم بين الأم والوالدة.. من حيث أن الله عز وجل يطلق "الوالدة" على المرأة التي تنجب الطفل بغض النظر عن مواصفاتها وصفاتها الحسنة أو القبيحة.. بل هي مجرد عملية إنجاب تدور بين الإنسان والحيوان حين يلتقي الذكر بالأنثى وما يتبع ذلك من حمل وإرضاع، كما قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة} [البقرة:233].
وهذه الوالدة هي محل البرّ والإكرام كالوالد لا فرق بين السيىء منهما والحسن من حيث وجوب ذلك البر كما قال تعالى: {وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} [الإسراء:23]، حتى لو كانت الوالدة بغيا أو كافرة. أما الأم فقد أطلقها الله عزّ وجل على الأصل الكريم الذي هو رمز التضحية والفداء والطهر والنقاء، والحب والحنان، وهي الأصل الذي يتشرف الولد به، ويفخر بنسبه له ونسبته إليه، وتأمل في هذا الفرق الذي جاء على لسان النبي عيسى(ع)، فهو حين تكلّم عن وجوب البرّ والإكرام ذكر وصف "الوالدة"، فقال: {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً} [مريم:32]. وحين تكلم القرآن الكريم عن عيسى(ع) وعن مواصفات وصفات والدته الكريمة والمعجزة، أطلق عليها لفظ "الأم"، فقال عزّ وجل: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صديقة…} [المائدة:75]، وعندما أراد الله عز وجل لفت نظر الأبناء إلى معاناة الأم من جراء الولادة، مقدماتها وآثارها ونتائجها، فإن القرآن الكريم يطلق كلمة "الأم" المضحية الصابرة المكرمة يوم القيامة والتي أمرنا الله بإكرامها في الدنيا إكراماً مطلقاً لا حدود له، فمن أساليب القرآن الكريم البليغة في هذا المجال أنه يوصينا ببرّ الوالدين ثم يعقبها بالحديث عن الأم فقط لشدة فضلها على الأب {ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن} [لقمان:14].
وهكذا تحدّث الله عن فضل الأم لشدة معاناتها وهناً على وهن في الحمل وما يلزم له من تضحيات، ومثل ذلك قوله تعالى: {ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً..} وعندما أراد الله عزّ وجل بيان مدى حنان الوالدة على أولادها، ومدى شفقتها وإشفاقها على أولادها عبر الله عنها بلفظ الأم فقال: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من الموقنين} [القصص:10].
وعندما عبّر القرآن الكريم عن مدى سعادة الوالدة وفرحها بعودة ولدها الغائب من خطر عليه أطلق عليها كلمة "الأم" فقال عز وجل: {فرجعناك إلى أمك كي تقرّ عينها ولا تحزن} [طه:40]، وللدلالة على القدسية والاحترام الشديد أطلق الله على نساء النبي(ص) كلمة "الأمهات" وليس الوالدات فقال: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب:6].

 
Top