قراءة انطباعية تحليلية لقصيدة (ضباب صهيل ..)
للشاعرة - نداء قرحيلي
ضباب صهيل ..
ترسمني ذاكرة حرف
ابصرتْ...
وداعا .. سرقته ...
الدّهشة..
اعتاد قطف الاقحوان ...
قليلا .. من البكاء...
كثيرا ... من الضباب...
ها قد...
خطف عشقنا...
اعتياد ... الصباحات ..
رحيل.. اللهفة...
هناااك.. رسمتُ نجمة...
قيد ليل..
حزِنَ فيه قمر..
آن ..
. صهيل..
الفراق..
ضباب صهيل..
قصيدة نثر اعتمدت المفردة المشعة والجملة المتوهجة، استطاعت من خلالها الشاعرة أن تفضي بهواجسها واختلاجاتها بطريق مؤثر يثير التفاعل ويحفز على ولوج النص وسلوك كافة مداخيله ومخرجاته؛ معتمدة على النزعة الرمزية المطلقة، الباثّة للصور الشعرية المتعددة الأبعاد و الألوان.
اللغة:
لغة النص فصيحة، تميزت بالتكثيف العالي، والحذف الواعي الدال، واتسمت بالرمزية المطلقة لمدارك التأويل، والمحفزة لعناصر التخييل؛ بلهجتها المغتربة، و نبرتها المضمرة.
وقد تضمّنت عددا كبيرا من الأفعال، مما أفضى الى جو من الدينامية المتعاقبة، والمتجانسة مع أوداتها الإشارية والمعنوية المشعة.
الأسلوب:
اعتمدت الشاعرة (نداء قرحيلي) في نصها الموسوم (ضباب صهيل..) على المفردة الواحدة المستقلة – استقلالاً ذاتياً – والمرتبطة عضوياً مع النص.. وهذا هو السبب الذي دفعني للقراءة التفسيرية (التحليلية)؛ لتبيان مدى الدقة والعناية في اختيار المفردة، وكذلك قدرة الشاعرة على توظيفها في النص توظيفاً جيداً.. كذلك فقدت على الجملة القصيرة التي لم تتجاوز الثلاث كلمات في حالتها القصوى (ترسمني ذاكرة حرف، اعتاد قطف الاقحوان، حزِنَ فيه قمر).
الانطباع العام والتفسير:
ضباب صهيل.. عنوان من جملة مركبة من المضاف والمضاف اليه تستند الى محذوف كأن يكون تقديره (أنا، أو أنت، الروح،.. الخ) وهو بحد ذاته عبارة عن جملة مشعة متحركة بواقع رايكالي، توافر على الصورة المتحركة (ضباب) والصوت الي هو أيضاً متحرك (صهيل).
وبهذه العنونة الجريئة وضعتنا الشاعرة أمام عرض أو مشهد متكامل العناصر المرئية، يشد الأنظار ويبعث على الترقب في ما ستؤول اليه الأحداث وما ستأتي من نتائج لاحقه.
النص:
(ترسمني ذاكرة حرف)
ابتدأت نداء قرحيلي نصها بجملة فعلية فعلها مضارع للدلالة على الحركة والنشاط من جهة، ومن جهة استمراية الفعل الآني والمستقبلي.
ترسمني... عملية الرسم بحد ذاتها تستدعي الإضافة والحذف، وكذلك التغيير. وهو عكس الصورة الحقيقة التي تحتفظ بكل الملامح الدقيقة للشخصية المصوَّرَة.
فعملية الرسم بطبيعة الحال عادة ما تخضع الى تلك الريشة المبدعة وقابلياتها المتوفرة، وعادة ما تنحاز الى التركيز على مناطق ومساحات من الجسم سعياً لإبرازها على حساب مناطق أخرى.. إذن الريشة ليست محايدة في عملية الرسم، طالماً تخضع الى اهتمامات ومشاعر وعواطف محدودة.
من الذي قام بعملية الرسم؟
(ذاكرة حرف)
حتى أن الحرف هنا لم يقم بعملية الرسم وإنما جزء منه وهي ذاكرته..!
هنا اعتبرت الشاعرة الحرفَ كيانا واعيا له خصائصه الشبيهة بخصائص الإنسان.
(أبصرتْ..)
بعد عملية الرسم الذي قامت بها ذاكرة حرف، أبصرت.. وكلا المفهومين (الذاكرة، والحرف) هما من وسائل وعوامل الإبصار الأساسية والرئيسة.
(وداعا..)
الوداع: رحيل مرتبط بآخر مقيم.
(سرقته..)
مَن؟
(الدّهشة..)
أرجح أنها من قام بعملية السرقة، فمن الطبيعي أن تسرق الدهشة الأجناس الواعية من وعيها الحضوري، إلا أن الشاعرة استخدمت مفهوماً غير واعٍ هو (الوداع) للدلالة على (المودع) وهو الجنس الواعي؛ وذلك تعزيزاً منها لحالة الذهول التي تشيح من جو النص.
(اعتاد قطف الاقحوان...)
فقد اعتاد هذا الوداع قطف الاقحوان، وكما قيل: (وللمرء من دهره ما تعودا).. ولكي نعرف لماذا، علينا ان نعرف ما الذي يفضي اليه مفهوم الاقحوان.
فمن خلال علم النفس اللوني، مع الموروث الشعبي الإنساني نقف على الدلالة المعنوية للاقحوان وهي (يسمى الاقحوان عند أهل الشرق بزهرة السعادة، وأيضا ورد الغريب؛ لأنه يزهر في الخريف دون كل الزهور، ويوصف بالعنفوان والنقاء، ويجلب السرور والبهجة، والسعادة والصدق والارتياح للمنزل الذي يوضع فيه، ويسمى كذلك بزهرة التفاؤل، وزهرة الحب المخلص، والاسطوري، وكتمان السر) ونكتفي بهذا القدر من أوصاف ومزايا الأقحوان.
إذن تريد الشاعرة القول ان الوداع قطف كل هذه المعاني أو جلها التي حفل بها الأقحوان.
(قليلا.. من البكاء...
كثيرا.. من الضباب...)
هنا يبدو مشهد الضباب هو سيد الموقف، فالبكاء قليل، والضباب كثير، وهذا ما يناسب موقف الدهشة التي تبعث على الذهول أكثر من الوعي الذي تحتاجع الحالات الواعية كالبكاء والضحك ونحوهما..
(ها قد...
خطف عشقنا...
اعتياد... الصباحات...
رحيل.. اللهفة..)
هنا تفصح نداء قرحيلي عن نتيجة أولى لكل هذه الارهاصات المتوالية في طقس من الضباب والدهشة والمترتبة على الذهول. وهو ان العشق قد خطف، فكيف خطف، ومن خطفه؟
تقول الشاعرة: اعتياد الصباحات ورحيل اللهفة، وقد تخللت هذه المعاني – كما هو الحال في معظم النص- تلك النقط الدالة على الحذف، وبتر المفاهيم، وتذبذب الحالة. وهي تشير الى العادات والتقاليد المتكررة كل صباح، اي مع ولادة كل يوم جديد. والتي نكررها ونعيدها ونقولها ونعمل بها يومياً. وعادة ما تقف حجر عثرة في طريق الحب.
أما رحيل اللهفة؛ فهذا عامل مساعد آخر يستوجب البعد والفراق. لأن ديمومة الحب لا تكون الا باللهفة المستمرة.
(هناااك.. رسمتُ نجمة...
قيد ليل..
حزِنَ فيه قمر..)
هناااك : تكرا الألف جاء ليعطي انطباعاً بصرياً للقارئ وصوتياً للسامع عن مدى البعد الموغل الاغتراب، والنأي الواسع العميق.
رسمت نجمة :
ابتدأ النص بعملية الرسم (ترسمني ذاكرة حرف) ثم آل الى الرسم، هنا عمليو الرسم جاءت بالمرسوم مفعولا تارة، وفاعلا تارة أخرى؛ لتاكيد عملية الانفعال والتفاعل وتعزيزها.
وللنجمة التي رسمتها معطيات دلالية ونفسية، فهي تدل على الضياء والجمال والاتجاه من جهة، ومن جهة اخرى تدل على الطالع وما يترتب عليه من حظ وقدر يختص به المنجمون. واتعقد ان المعنى الخ